النص الشعري (المدرسة المهجرية)
وَجَدَ الشُّعَرَاءُ الْغَرْبِيُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَدْفُوعِينَ إِلَى التَّيَّارِ الرُّومَنْسِيِّ الثَّائِرِ عَلَى سِيَادَةِ الْمَنْطِقِ وَالْعَقْلِ فِي الْفَنِّ، حَيْثُ اتَّجَهُوا إِلَى اتِّخَاذِ الْعَاطِفَةِ وَالْحَدْسِ أَسَاسًا فِي التَّجْرِبَةِ الْفَنِّيَّةِ، فِي مُوَاجَهَةِ التَّيَّارِ الْكْلَاسِيكِيِّ الرَّتِيبِ بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ مَعَوِّقَاتٍ تَحُولُ بَيْنَ الْفَرْدِ وَحُرِّيَّتِهِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ اتِّسَاعَ قَاعِدَةِ الثَّقَافَةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَاطِّلَاعَ الشُّعَرَاءِ الْعَرَبِ عَلَى آثَارِ الْحَرَكَةِ الرُّومَنْسِيَّةِ الْمُجَدِّدَةِ فِي أُورُوبَا، كَانَا مِنْ الْعَوَامِلِ الْفَعَّالَةِ فِي التَّعْجِيلِ بِظُهُورِ طَلَائِعِ الرُّومَنْسِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الرُّبْعِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ. وَقَدْ كَانَ لِخَلِيلَ مُطْرَانَ دَوْرٌ طَلِيعِيٌّ فِي تَغْيِيرِ مَسَارِ الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ الْحَدِيثِ مِنَ التَّقْلِيدِ إِلَى الْإِبْدَاعِ، حَيْثُ اتَّجَهَ بِشِعْرِهِ إِلَى التَّعْبِيرِ الْحَيِّ عَنْ وِجْدَانِهِ وَتَجَارِبِهِ الذَّاتِيَّةِ وَخَوَاطِرِهِ النَّفْسِيَّةِ.
وَالشُّعَرَاءُ الرُّومَنْسِيُّونَ، فِي اهْتِمَامِهِمْ بِالتَّعْبِيرِ عَنِ الذَّاتِ لِثَوْرَتِهِمْ عَلَى مُجْتَمَعِهِمْ وَتَعَلُّقِهِمْ بِمِثَالٍ لَا يُوْجَدُ إِلَّا فِي خَيَالِهِمْ، وَاصْطِدَامِهِمْ بِالْوَاقِعِ الْمُرِّ، كَثِيرًا مَا يَلْجَؤُونَ إِلَى الطَّبِيعَةِ، يَتَنَاوَلُونَهَا تَنَاوُلًا جَدِيدًا، بَعِيدًا عَنِ التَّسْجِيلِ التَّصْوِيرِيِّ الْجَامِدِ، بَلْ يَجْعَلُونَ مِنْ عَنَاصِرِهَا كَائِنَاتٍ حَيَّةً تَتَجَاوَبُ مَعَ مَشَاعِرِهِمْ، وَتَنْفَعِلُ بِأَحْزَانِهِمْ وَعَوَاطِفِهِمْ، وَتُجَسِّدُ آمَالَهُمْ فِي الْهُرُوبِ مِنَ الْوَاقِعِ الْمُصْطَنَعِ الَّذِي تَمْنَعُ عَادَاتُهُ وَتَقَالِيدُهُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْانْطِلَاقِ وَالشُّعُورِ الْقَوِيِّ بِالْحُرِّيَّةِ.
وَلَعَلَّ أَهَمَّ مَظَاهِرِ التَّجْدِيدِ عِنْدَ الرُّومَنْسِيِّينَ التَّعْبِيرُ عَنِ الْوِجْدَانِ، وَتَصْوِيرُ الْخَوَاطِرِ النَّفْسِيَّةِ، وَالْالْتِفَاتُ إِلَى الطَّبِيعَةِ مِنْ خِلَالِ عَوَاطِفِ الشَّاعِرِ، وَالتَّأَمُّلُ الْعَمِيقُ فِي النَّاسِ وَالْحَيَاةِ، مَعَ الْحِفَاظِ عَلَى الْوَحْدَةِ الْعُضْوِيَّةِ لِلْقَصِيدَةِ، بِحَيْثُ تَكُونَ عَمَلًا فَنِيًّا مُتَكَامِلًا، وَالتَّحَرُّرُ مِنْ قُيُودِ الْقَافِيَةِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُطَّرِدَةِ وَالْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ وَالصُّوَرِ التَّقْلِيدِيَّةِ، وَالْإِكْثَارُ مِنَ الْمَقَاطِعِ ذَاتِ الْقَوَافِي الْمُتَنَوِّعَةِ، وَتَنَقُّلُ بَعْضِ الْقَصَائِدِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ بَحْرٍ شِعْرِيٍّ فِي مُحَاوَلَةٍ لِتَجْدِيدِ مُوسِيقَى الْوَزْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانِ التَّجْدِيدِ فِي الْمَضْمُونِ وَالشَّكْلِ.
غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ النَّزْعَةَ الْوِجْدَانِيَّةَ الَّتِي مَسَّتْ مَضْمُونَ الْقَصِيدَةِ الرُّومَنْسِيَّةِ، مَعَ مُحَاوَلَةِ التَّجْدِيدِ فِي عَنَاصِرِ الشَّكْلِ، بَرَزَتْ أَكْثَرَ فِي شِعْرِ الْمَدْرَسَةِ الْمُهْجَرِيَّةِ، مِثْلَمَا نَجِدُ عِنْدَ جُبْرَانَ خَلِيلَ جُبْرَانَ الَّذِي كَانَ أَسْبَقَ الْمُتَأَثِّرِينَ بِالنَّزْعَةِ الْجَدِيدَةِ الثَّائِرَةِ عَلَى التَّيَّارِ التَّقْلِيدِيِّ.