نَصُّ الانْطِلَاقِ (الصفحة 18)
إذا كان طه حسين رائداً لما يعرف في النقد العربي الحديث باللانسونية، من خلال اتباع منهج علمي يقرأ العمل الأدبي في ضوء عوامل النفس والبيئة والتاريخ، فإن عمله شكّل - بجانب العمل التاريخي لجرجي زيدان - إعلاناً لانفتاح النقد العربي على مختلف النظريات النقدية الغربية التي شكلت منذ تلك الفترة أساساً لجزء كبير من الممارسة النقدية العربية الحديثة؛ بدءاً بالنظريات السياقية التي تفسر حتمية العمل الأدبي في ظل عوامله النفسية أو الاجتماعية أو التاريخية، مروراً بالنظريات النصية التي تعده كياناً مستقلًا يجد تفسيره في داخله، وبالنظريات التأويلية التي تربط الدلالة بالمتلقي، وصولًا إلى النظريات الجديدة التي تتبنى العودة إلى السياق في صورته الثقافية الشاملة التي تنطلق من النظر إلى العمل الأدبي بوصفه منتجاً ثقافياً يتأثر بعوامل الثقافة ويسهم في تشكيلها.
ونتج عن كل ذلك تحول النقد العربي الحديث إلى نقد متعدد الهويات والمرجعيات، يرحل من نظرية نقدية إلى أخرى، ويجرب على الأدب العربي - قديمه وحديثه - كل ما يصل إليه من مناهج مستقدمة من الغرب؛ فتبنى المنهج الوضعي التاريخي، ثم البنيوية، وصولًا إلى نظرية التلقي، وفلسفة التأويل، والتفكيكية، ثم نظرية النقد الثقافي مع تنويعاتها المختلفة (النسوية، وما بعد الكولونيالية، والتاريخية الجديدة).
غير أن المتأمل في وضعية الخطاب النقدي العربي الحديث يلاحظ تباينًا بين النقاد في طرائق تلقيهم نظريات النقد الغربي؛ فإذا كانت فئة واسعة منهم قد اختارت الانفتاح دون تحفظ على مختلف تلك النظريات والمناهج بوصفها مدخلًا وحيداً لتجديد الخطاب النقدي العربي، فإن فئة أخرى قد وقفت منها موقف المتحفظ من منطلق كونها إنتاجًا غربيًا لا يستجيب لشروط الهوية الثقافية العربية، بينما اختار باحثون آخرون طريق البحث عن نظرية نقدية عربية تأخذ من نظريات النقد الغربي ومن الموروث النقدي والبلاغي العربي ما يسهم في تأسيس خطاب نقدي حديث ذي هوية عربية منفتحة.
ويكشف هذا التباين في أنماط التلقي عن حاجتنا إلى تقويم علمي للمنجز النقدي العربي، بشكل يكشف عن مدى مساهمته في بناء معرفة بالذات الإبداعية، وفي بناء تواصل فعال ومنتج مع الآخر الثقافي.
الخطاب النقدي العربي الحديث وسؤال الهوية: (أعمال ندوة دولية)، للسيل وتقديم عبد الغني حصلي، منشورات فريق البحث في الخطاب والدلالة بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور، جامعة محمد الأول المملكة المغربية، الطبعة الأولى، دجنبر 2023، من 9 وما بعدها (يتصرف).
روابط إضافية مفيدة للتحضير والمراجعة:
الرئيسية للمنصة |
امتحان التدبير الإداري والتربوي السابق
توجيهات هامة للمترشحين:
- انقر على الخيار المختار لتظهر النتيجة الفورية مباشرة بلون أخضر للأصح ولون أحمر للخطأ.
- يتم احتساب درجاتك المسجلة تلقائياً في الأسفل بعد الانتهاء التام من جميع الأسئلة المطروحة.
لقد أكملت الاختبار بنجاح!
نتيجتكم النهائية التقديرية هي:
0 / 0